اخبار زناتة

عين حرودة.. قراءة في أسباب العزوف الانتخابي وتراجع المشاركة

أعادت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بعين حرودة النقاش حول مستوى المشاركة السياسية، بعدما برزت ملاحظات محلية بشأن عزوف عدد من الناخبين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع. وبينما تحتاج الظاهرة إلى أرقام رسمية ودراسة دقيقة حسب مكاتب التصويت والأحياء والدواوير، فإن مجموعة من العوامل السياسية والمجالية والتنظيمية والاجتماعية تطرح نفسها كعناصر يمكن أن تساعد على فهم أسباب هذا العزوف.

إعادة توزيع الناخبين ومكاتب التصويت.. إشكالية القرب

من أبرز النقاط التي يطرحها عدد من المتابعين إعادة توزيع بعض الدواوير والناخبين على مراكز اقتراع مختلفة، وما رافق ذلك، وفق إفادات محلية، من تغييرات في وضعية بعض الناخبين واللوائح، خاصة في مناطق مثل حربيلي، عين مرجة، الحروضات، دوار مالك ولوي.

ويُطرح كذلك موضوع توزيع أفراد الأسرة الواحدة على مراكز تصويت مختلفة؛ فقد يجد أحد أفراد الأسرة نفسه مطالباً بالتصويت في مركز، بينما يتوجه فرد آخر إلى مركز مختلف، وهو ما يمكن أن يزيد من صعوبة التنقل، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين لا تتوفر لديهم وسائل نقل.

ومن هنا تبرز دعوات محلية إلى إعادة النظر في مكاتب التصويت وتقريبها أكثر من الناخبين، بما يضمن سهولة الولوج إليها ويقلل من تأثير المسافة والتنقل على قرار المشاركة.

صعوبة الوصول إلى المعلومات

ومن بين الإشكالات التي يتم تداولها أيضاً صعوبة الولوج إلى المنصات الإلكترونية أو الحصول على المعلومات المتعلقة بمكان التصويت بالنسبة لبعض المواطنين، خاصة الذين ليست لديهم خبرة كافية باستخدام الوسائل الرقمية.

ويطرح هذا الأمر الحاجة إلى تعزيز قنوات الإخبار والتواصل قبل كل استحقاق انتخابي، وتوفير المعلومات المتعلقة بمكاتب التصويت واللوائح الانتخابية بطرق مبسطة ومتاحة للجميع.

كما أن ضعف التوعية الإعلامية حول عملية التصويت وكيفية التأكد من التسجيل، ومعرفة مكتب التصويت، وشروط التصويت الصحيح، قد يكون عاملاً مؤثراً، خصوصاً لدى الناخبين الذين يخوضون التجربة الانتخابية بشكل محدود.

ضعف التعبئة وتراجع الثقة

ولا يمكن فصل المشاركة الانتخابية عن مستوى التواصل والتعبئة التي تقوم بها الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني. فكلما كان التواصل قريباً من المواطن ومستمرًا قبل موعد الانتخابات، كان من الممكن أن يساهم ذلك في رفع الوعي بأهمية المشاركة.

في المقابل، يطرح عدد من المتابعين مسألة الارتحال السياسي وتراجع الثقة في بعض الأحزاب والفاعلين السياسيين، وحتى في بعض مكونات المجتمع المدني، باعتبارها من العوامل التي قد تدفع بعض المواطنين إلى الابتعاد عن المشاركة السياسية.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً عندما يشعر المواطن بأن الوعود الانتخابية لا تتحول دائماً إلى نتائج ملموسة، أو عندما يقتصر التواصل مع الساكنة على فترة الحملة الانتخابية فقط.

الوعود الانتخابية والوسطاء

ومن النقاط التي تحتاج إلى نقاش جدي كذلك ما يرتبط ببعض الأشخاص المكلفين بالتعبئة وجمع من نسخ البطاقة الوطنية ، والذين يصفهم البعض بـ”الوسطاء الانتخابيين”.

وتتداول محلياً روايات عن تقديم وعود للناخبين خلال الحملات الانتخابية، قبل أن يشعر بعضهم لاحقاً بأن تلك الوعود لم تتحقق، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان الثقة وربما إلى اتخاذ مواقف احتجاجية من خلال عدم التصويت أو تغيير الاختيار الانتخابي.

غير أن هذه المعطيات تبقى روايات وقراءات محلية تحتاج إلى أدلة ومعطيات موثقة حتى يمكن تحديد حجم تأثيرها الفعلي على المشاركة والنتائج.

غياب أسماء محلية وازنة

ومن العوامل التي تُطرح أيضاً غياب مرشحين زناتيين بارزين وقريبين من المواطنين، قادرين على بناء تواصل مباشر ومستمر مع الساكنة.

كما يرى بعض المتابعين أن عدداً من المنتخبين والأعضاء داخل المجالس المحلية لم يتم إشراكهم بالشكل الكافي في العملية الانتخابية من طرف بعض الأحزاب الكبرى، وهو ما قد يكون انعكس على مستوى التعبئة الانتخابية.

وتبقى هذه النقطة أيضاً من القراءات السياسية التي تحتاج إلى مقارنتها بأرقام المشاركة ونتائج كل مكتب للتأكد من مدى تأثيرها.

الأصوات الملغاة.. إشارة إلى الحاجة للتوعية

ومن الملاحظات التي تستحق الوقوف عندها كذلك ارتفاع عدد الأصوات الملغاة في بعض مكاتب التصويت، لأسباب متعددة.

ومهما كانت أسباب الإلغاء، فإن وجود نسبة مهمة من الأصوات الملغاة يطرح سؤالاً حول مدى استفادة الناخبين من حملات التوعية والتفسير المتعلقة بكيفية التصويت الصحيح.

وهنا يمكن أن يلعب الإعلام المحلي والمجتمع المدني والأحزاب دوراً أكبر في تقديم شروحات مبسطة للناخبين قبل موعد الاقتراع.

ظروف العمال و الموظفين وقت التصويت

ومن المقترحات المطروحة كذلك إتاحة وقت كافٍ للعاملين والموظفين من أجل ممارسة حقهم في التصويت، خصوصاً بالنسبة لمن يعملون بعيداً عن أماكن إقامتهم أو يحتاجون إلى التنقل بين مناطق مختلفة.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن دراسة تمديد فترة التصويت أو اعتماد ترتيبات تنظيمية أكثر مرونة قد تساعد، في حدود ما يسمح به القانون، على تمكين فئات أوسع من ممارسة حقها الانتخابي.

النقل والتنقل داخل تراب الجماعة

وتبقى مسألة النقل واحدة من الإشكالات التي يمكن أن تؤثر على المشاركة، خصوصاً عندما تكون مكاتب التصويت بعيدة عن بعض الدواوير أو الأحياء.

لذلك يطرح موضوع توفير الإمكانيات اللازمة للنقل والتنقل داخل تراب جماعة عين حرودة يوم الاقتراع، مع احترام الضوابط القانونية المنظمة للعملية الانتخابية، باعتباره أحد الحلول التي يمكن أن تقلل من تأثير البعد الجغرافي على المشاركة.

التسجيل في اللوائح الانتخابية

ومن بين الملفات التي تستحق المراجعة كذلك تسهيل عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية وتحيين المعطيات بشكل مستمر.

فكلما كانت عملية التسجيل والتحيين أكثر سهولة ووضوحاً، وكلما توفرت للمواطن إمكانية معرفة وضعيته الانتخابية قبل موعد الاقتراع، تقلصت احتمالات اكتشاف مشاكل مرتبطة بالتسجيل أو بمكان التصويت في آخر لحظة.

العزوف.. مسؤولية جماعية أم نتيجة تراكمات؟

في نهاية المطاف، يصعب اختزال العزوف الانتخابي بعين حرودة في سبب واحد. فالموضوع يبدو، وفق مختلف القراءات المطروحة، مرتبطاً بتداخل عوامل سياسية ومجالية وتنظيمية وإعلامية واجتماعية.

فإلى جانب الثقة في الأحزاب والمرشحين، هناك قضايا مرتبطة بقرب مكاتب التصويت، وسهولة معرفة مكان الاقتراع، والنقل، والتسجيل في اللوائح، والتوعية بطريقة التصويت، وعدد الأصوات الملغاة، إضافة إلى مستوى التعبئة التي تقوم بها الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ظاهرة العزوف لا ينبغي أن تبدأ فقط مع انطلاق الحملة الانتخابية، بل تتطلب تواصلاً مستمراً مع المواطن على مدار السنة، وتبسيط المعلومة الانتخابية، وتقريب مكاتب التصويت من الناخبين، وتحسين وسائل النقل، وتسهيل التسجيل والتحيين، وتعزيز التربية والتوعية السياسية والمدنية.

ويبقى السؤال الأهم بالنسبة لعين حرودة: هل تكفي الحملات الانتخابية لرفع المشاركة، أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة بناء علاقة مستمرة بين المواطن والأحزاب والمنتخبين ومؤسسات المجتمع المدني؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة هادئة للأرقام، ومقارنة نسب المشاركة بين مختلف مكاتب التصويت، والاستماع إلى المواطنين، بدل الاكتفاء بتفسير واحد لظاهرة العزوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى