
لا شك أن الحملة الشاملة التي تشهدها عين حرودة حالياً تندرج ضمن الاستعدادات المرتبطة باستقبال كأس العالم 2030. ولولا هذه المناسبة، ربما ظلت المنطقة لسنوات أخرى في غياهب النسيان، وكأن عقارب الساعة توقفت فيها منذ عقود.
لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: هل يختصر تحدي الاستعداد لمونديال 2030 في تزفيت الطرقات، وطلاء الأرصفة، وتجميل الواجهات؟
بالتأكيد لا؛ فالطرق والملاعب والمطارات والمنشآت الرياضية ليست سوى الوجه الخارجي للاستعداد. أما التحدي الأكبر والأعمق، فهو أن نستعد نحن كمجتمع، وأن نعيد بناء علاقتنا بالفضاء العام، بالقانون، بالآخر، و ايضا بالمسؤولية.
ثورة هادئة تبدأ من الإنسان
نحن بحاجة إلى ثورة هادئة في السلوك والقيم.
ثورة تبدأ من الأسرة، التي عليها أن تستعيد دورها التربوي، وأن تعلّم أبناءها الاحترام والانضباط والمسؤولية، بدل أن تترك مهمة تربيتهم للشارع والهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتبدأ من المدرسة، التي لا ينبغي أن تكتفي بتلقين المقررات، بل عليها أن تصنع المواطن قبل الموظف، وأن تزرع قيم المواطنة كما تزرع المعرفة.
وتشمل أيضاً رجل السياسة والمسؤول العمومي، الذي يفترض أن يتحلى بروح المسؤولية والحكامة وخدمة المواطن، لا أن تتحول السياسة إلى صراخ وصراع وبث للخوف. كما أن للإعلام مسؤولية كبرى في نشر القيم والوعي، لا تكريس الرداءة والإثارة.
اليابان… حين يبدأ البناء من الإنسان.
ولعل التجربة اليابانية تقدم لنا درساً بالغ الدلالة. فقد دمرت الحرب اليابان، وأصابت قنبلتان ذريتان هيروشيما وناكازاكي، لكنها اختارت أن تنهض من جديد، وأن تستثمر في الإنسان والانضباط قبل المظاهر.
أما نحن، فلنا أكثر من اثني عشر قرناً من التاريخ والحضارة، ومع ذلك ما زلنا أحياناً نتصرف وكأن السقف سقط فوق رؤوسنا بالأمس.
نطلي الأرصفة ونزين الواجهات، لكننا نعجز أحياناً عن طلاء مواطنتنا بقيم الاحترام والانضباط.
نبني مطارات حديثة، ونشيد ملاعب بمواصفات عالمية، لكن السؤال يبقى: هل نواكب هذا التطور في العمران بتطور مماثل في السلوك؟
فما فائدة ملعب عالمي إذا كان بعض من يدخله لا يحترم مقعده؟ وما فائدة طريق جديد إذا تحول إلى فضاء لرمي النفايات؟ وما فائدة مطار حديث إذا ظلت عقليتنا تجاه الوقت والنظام والخدمة متأخرة؟
من يؤمّن عقول المشجعين؟
وهنا يبرز السؤال الأصعب: من سيؤمّن عقول المشجعين؟
قد تستطيع الدولة تأمين الملاعب والطرقات والمداخل والمخارج، وقد تستطيع الأجهزة الأمنية مراقبة السلوك وردع المخالفات، لكن الأمن وحده لا يستطيع صناعة مجتمع منضبط.
فالرقابة قد تمنع السلوك السيئ عندما يكون الشرطي حاضراً، لكنها لا تستطيع أن تصنع مواطناً منضبطاً عندما يغيب الشرطي.
والفرق كبير بين الانضباط خوفاً من العقوبة، والانضباط اقتناعاً بالمسؤولية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط تنظيم كأس العالم 2030 في أفضل الظروف، بل أن نجعل هذه المناسبة فرصة لبناء مجتمع أفضل.
نريد أسرة تربي قبل أن تشتكي، ومدرسة تصنع المواطن قبل الموظف، ومعلماً يزرع المواطنة قبل أن ينهي المقرر، وسياسياً يدرك أن قراراته قد تؤثر في حياة آلاف المواطنين، ومسؤولاً يعرف أن الحكامة ليست خطابات، وإنما نزاهة وفعالية ومحاسبة.
ويجب أن ندرك أيضاً أن المهندس الفاسد أخطر من العاطل الجاهل؛ لأن الأول يمتلك المعرفة والقدرة على التأثير في مشاريع وقرارات قد تمس حياة الآلاف، بينما الثاني، رغم معاناته، لا يملك بالضرورة القدرة نفسها على إلحاق الضرر بالمجتمع.
تجهيز عين حرودة مهم… لكن تجهيز الإنسان أهم.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، بل في الإنسان الذي سيبني هذا الحجر ويحافظ عليه ويحترم قيمته.
إن تجهيز عين حرودة وتحديث بنيتها التحتية أمر ضروري ومطلوب، لكن ماذا عن تجهيز الإنسان؟
ماذا عن المواطن الذي سيستعمل هذه الطرق؟ وماذا عن الطفل الذي سيكبر في هذه المدينة؟ وماذا عن الشاب الذي سيدخل هذه الملاعب؟ وماذا عن المسؤول الذي سيتخذ القرارات؟
إن كأس العالم 2030 فرصة تاريخية لتحديث المدن والمنشآت، لكنها يمكن أن تكون أيضاً فرصة لإطلاق ورش أكبر: ورش إعادة بناء الإنسان والمواطن.
نريد مغرباً يشرفنا برقي مواطنيه وحضارتهم في التعامل واحترامهم للآخر والقانون والفضاء العام، كما يشرفنا بملاعبه ومطاراته وطرقه.
فالمغرب الذي نريده بعد 2030 لا ينبغي أن يكون فقط أجمل في العمران، بل أكثر نضجاً في السلوك، وأكثر احتراماً للقانون، وأكثر إحساساً بالوقت، وأكثر مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
تجهيز عين حرودة مهم… لكن تجهيز الإنسان أهم.
فالمونديال الحقيقي ليس ما سنبنيه من إسمنت وحديد، وإنما ما سنبنيه في الإنسان.
والسؤال الذي يجب أن يرافق كل ورش وكل مشروع وكل طريق جديد هو:
هل نحن نجهّز المدينة فقط لاستقبال العالم، أم نجهّز الإنسان أيضاً ليكون جديراً بهذا العالم؟
من يؤمّن عقول المشجعين؟
وهنا يبرز السؤال الأصعب: من سيؤمّن عقول المشجعين؟
قد تستطيع الدولة تأمين الملاعب والطرقات والمداخل والمخارج، وقد تستطيع الأجهزة الأمنية مراقبة السلوك وردع المخالفات، لكن الأمن وحده لا يستطيع صناعة مجتمع منضبط.
فالرقابة قد تمنع السلوك السيئ عندما يكون الشرطي حاضراً، لكنها لا تستطيع أن تصنع مواطناً منضبطاً عندما يغيب الشرطي.
والفرق كبير بين الانضباط خوفاً من العقوبة، والانضباط اقتناعاً بالمسؤولية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط تنظيم كأس العالم 2030 في أفضل الظروف، بل أن نجعل هذه المناسبة فرصة لبناء مجتمع أفضل.
نريد أسرة تربي قبل أن تشتكي، ومدرسة تصنع المواطن قبل الموظف، ومعلماً يزرع المواطنة قبل أن ينهي المقرر، وسياسياً يدرك أن قراراته قد تؤثر في حياة آلاف المواطنين، ومسؤولاً يعرف أن الحكامة ليست خطابات، وإنما نزاهة وفعالية ومحاسبة.
ويجب أن ندرك أيضاً أن المهندس الفاسد أخطر من العاطل الجاهل؛ لأن الأول يمتلك المعرفة والقدرة على التأثير في مشاريع وقرارات قد تمس حياة الآلاف، بينما الثاني، رغم معاناته، لا يملك بالضرورة القدرة نفسها على إلحاق الضرر بالمجتمع.
تجهيز عين حرودة مهم… لكن تجهيز الإنسان أهم.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، بل في الإنسان الذي سيبني هذا الحجر ويحافظ عليه ويحترم قيمته.
إن تجهيز عين حرودة وتحديث بنيتها التحتية أمر ضروري ومطلوب، لكن ماذا عن تجهيز الإنسان؟
ماذا عن المواطن الذي سيستعمل هذه الطرق؟ وماذا عن الطفل الذي سيكبر في هذه المدينة؟ وماذا عن الشاب الذي سيدخل هذه الملاعب؟ وماذا عن المسؤول الذي سيتخذ القرارات؟
إن كأس العالم 2030 فرصة تاريخية لتحديث المدن والمنشآت، لكنها يمكن أن تكون أيضاً فرصة لإطلاق ورش أكبر: ورش إعادة بناء الإنسان والمواطن.
نريد مغرباً يشرفنا برقي مواطنيه وحضارتهم في التعامل واحترامهم للآخر والقانون والفضاء العام، كما يشرفنا بملاعبه ومطاراته وطرقه.
فالمغرب الذي نريده بعد 2030 لا ينبغي أن يكون فقط أجمل في العمران، بل أكثر نضجاً في السلوك، وأكثر احتراماً للقانون، وأكثر إحساساً بالوقت، وأكثر مسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
تجهيز عين حرودة مهم… لكن تجهيز الإنسان أهم.
فالمونديال الحقيقي ليس ما سنبنيه من إسمنت وحديد، وإنما ما سنبنيه في الإنسان.
والسؤال الذي يجب أن يرافق كل ورش وكل مشروع وكل طريق جديد هو:
هل نحن نجهّز المدينة فقط لاستقبال العالم، أم نجهّز الإنسان أيضاً ليكون جديراً بهذا العالم؟
بقلم محمد دليل



