التحديات الراهنة و بناء الثقة في أفاق الحكامة التشاركية الحقيقية.

بقلم: ذ هشام فجري
في خضم الدينامية التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة المغربية، وفي ظل الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها التحولات الوطنية والدولية، يبرز سؤال جوهري حول مدى تفعيل المقتضيات الدستورية لسنة 2011، خاصة تلك المرتبطة بحقوق المواطنين والتمثليات المجتمعية والمهنية في الترافع والمشاركة في صنع القرار العمومي.
لقد جاء دستور 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة، قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتكريس الديمقراطية التشاركية. حيث نص الفصل 12 على إشراك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، كما أكد الفصل 13 على إحداث هيئات للتشاور، فيما كفل الفصل 15 الحق في تقديم العرائض، والفصل 27 الحق في الحصول على المعلومات. وهي مقتضيات واضحة لا تحتمل التأويل، تجعل من المواطن شريكًا لا مجرد متلقٍ.
غير أن الواقع العملي يكشف عن مفارقة مقلقة، حيث تجد العديد من التمثليات المجتمعية والمهنية نفسها عاجزة عن إيصال صوتها، بل إن مجرد الحصول على موعد مع مسؤول ترابي أصبح في حد ذاته غاية، بعد أن كان وسيلة للترافع. وهو ما يفرغ العمل المؤسساتي من جوهره، ويضعف الثقة في قنوات الحوار الرسمية.
إن هذه الوضعية لا تعكس فقط اختلالًا في التواصل الإداري، بل تمس بشكل مباشر مبدأ المساواة أمام المرفق العمومي، الذي يضمنه الفصل 6 من الدستور، كما تتعارض مع الفصل 154 الذي يلزم المرافق العمومية بتقديم خدماتها وفق معايير الجودة والشفافية والمساواة والاستمرارية، ومع الفصل 156 الذي يؤكد على ضرورة استقبال المرتفقين وتتبع ملاحظاتهم واقتراحاتهم.
وفي سياق متصل، تبرز إشكالية محاربة البناء العشوائي كواحدة من أبرز النماذج التي تكشف عن اختلال التوازن بين تطبيق القانون واحترام الحقوق. فلا أحد يجادل في ضرورة فرض احترام ضوابط التعمير، غير أن المقاربة المعتمدة في بعض الحالات، والتي اتسمت بالهدم الفوري وقطع الارزاق وتوقيف الأنشطة، خلفت آثارًا اجتماعية واقتصادية قاسية، مست آلاف الأسر والمقاولات الصغرى والمتوسطة.
والأخطر من ذلك، أن بعض هذه الأوضاع كانت نتيجة تراكمات سابقة ساهمت فيها، بشكل أو بآخر، جهات إدارية كان يفترض أن تضطلع بدور المراقبة والتقويم. وهو ما يطرح بحدة مسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الفصل الأول من الدستور.
إن اللجوء إلى المقاربة الزجرية وحدها، دون توفير بدائل واقعية أو فتح قنوات للحوار، يتنافى مع روح الفصل 31 الذي يضمن الحق في الشغل والعيش الكريم، كما يتعارض مع مبادئ العدالة الاجتماعية التي يقوم عليها النموذج التنموي الجديد. فالتنمية لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء، ولا يمكن أن تستقيم في ظل الشعور بالحيف والتهميش.
إن هذه الرسالة، الموجهة إلى جميع المسؤولين والمعنيين، ليست دعوة إلى التراخي في تطبيق القانون، بل نداء صادق إلى اعتماد مقاربة متوازنة، قوامها احترام النصوص الدستورية، وتغليب الحكمة في تدبير الأزمات، وإشراك الفاعلين الحقيقيين في البحث عن الحلول.
فالمطلوب اليوم هو:
تفعيل حقيقي لمقتضيات الديمقراطية التشاركية، بدل الاكتفاء بها كشعار.
ضمان ولوج عادل وفعلي للتمثليات إلى المسؤولين الترابيين.
إرساء آليات مؤسساتية دائمة للحوار والتشاور.
اعتماد حلول بديلة في قضايا التعمير تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي.
ترتيب المسؤوليات في كل الاختلالات السابقة، وفق مبدأ المحاسبة.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بصرامة قوانينها، بل أيضًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين هيبة القانون وكرامة المواطن. وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة بناء الثقة، وجعل الدستور مرجعية حقيقية في الممارسة اليومية، لا مجرد وثيقة مؤطرة.
فهل آن الأوان للانتقال من منطق التدبير الإداري الضيق، إلى أفق الحكامة التشاركية الحقيقية؟ أم أن حلم اللقاء بمسؤول سيظل، في نظر الكثيرين، سقف الطموح بدل أن يكون مجرد بداية لمسار الترافع؟
إنها صرخة مسؤولية… فهل من مجيب؟



